الضبط الذاتيّ العاطفيّ هو مهارة تتطوّر على مر الوقت. إذ يتعلم الأولاد والمراهقون كيف يفهمون مشاعرهم ويديرونها من خلال التجربة، تلقي الدعم من البالغين المقرّبين منهم، ومن خلال التدرّب اليوميّ.
الضبط الذاتيّ العاطفيّ هو قدرة الأولاد والشبّان على فهم مشاعرهم وإدارتها، أفكارهم، وسلوكياتهم تجاه حالات مختلفة. يجري الحديث عن مهارة حياتيّة هامّة، تتيح لهم مواجهة المشاعر القويّة، السيطرة على الدوافع، والتهدئة بعد أن يخوضوا حالات تزعزع استقرارهم، والمواظبة على القيام بمهام حتى في الحالات التي تكون مثيرةً للتحديّ. كيف تساعدون أولادكم على الضبط الذاتيّ العاطفيّ، وكيف تكتشفون إذا كانوا يعانون من صعوبة فيه؟ الإجابات فيما يلي.
ما هو الضبط الذاتيّ العاطفيّ، وكيف يتطوّر؟
الضبط الذاتيّ العاطفيّ هو مهارة مكتسبة يتعلمها الإنسان ويطوّرها على مر السنوات. وهي تتضمن القدرة على التوقّف والتفكير قبل العمل، وملاءمة مستوى الرد تجاه الحالات. مهارات الضبط الذاتيّ العاطفيّ تتطوّر تدريجيًّا خلال مرحلة الطفولة والمراهقة، وتستمر في التطوّر في سنّ المراهقة أيضًا. لا يُولد الأطفال وهم قادرون على السيطرة على مشاعرهم، بل هم يتعلمون هذه المهارة عبر التجربة، علاقاتهم مع البالغين المقرّبين منهم، وعبر التأمل في سلوك الآخرين.
الضبط الذاتيّ العاطفيّ لدى الأولاد والمراهقين
يبدأ الضبط الذاتيّ العاطفيّ بالتطوّر لدى الأولاد عبر التواصل مع البالغين ذوي الأهمية في حياتهم.
وهم يتعلمون كيف يضبطون أنفسهم عندما يخوضون تجربة “الضبط الذاتيّ المشتركة” وذلك عندما يساعدهم أحد الوالدين على الهدوء عندما يواجهون حالة عاطفيّة.
المشاعر تؤثر بشكل مباشر في سلوك الأولاد. فعندما يصعب عليهم فهم مشاعرهم أو إدارتها، عندها قد تبدو هذه المشاعر متطرّفة أو غير متوقّعة.
مثال:
- الطفل المحبط قد يغضب أو يصرخ.
- عندما يكون الطفل حزينًا قد يكون منطويًا على نفسه أو قد يتجنّب الالتقاء بالأصدقاء.
- الطفل المنفعل جدًّا قد يعاني من نقص الهدوء.
لهذا، فإن إحدى الخطوات الهامّة في تطوير الضبط الذاتيّ العاطفيّ هي اكتشاف المشاعر وإعطاؤها اسمًا.
الضبط الذاتيّ العاطفيّ لدى الأولاد والمراهقين
في سنّ المراهقة تتطوّر القدرة على الضبط الذاتيّ العاطفيّ، ولكنها تكون أحيانًا مثيرةً للتحديّ بسبب التغييرات الهرمونيّة والتطوّرات الدماغيَّة التي تميّز هذه السنّ. من خلال التجارب، يتعلم المراهقون كيف يديرون مشاعرهم الأكثر تعقيدًا، وكيف يتخذون قرارات ملائمةً.
القدرة على الضبط الذاتيّ العاطفيّ لدى الأولاد والمراهقين تساعد على:
- مواجهة الضغط الاجتماعيّ
- حل الصراعات مع الأصدقاء أو أفراد العائلة
- مواجهة حالات الفشل والتحديّات
- تطوير علاقات ناجحة.
لماذا يُعتبر الضبط الذاتيّ العاطفيّ أمرًا مهمًّا؟
لأن الضبط الذاتيّ العاطفيّ هو أساس التطوّر السليم في مجالات كثيرة في حياة الأولاد والمراهقين:
- التعلّم والنجاح في المدرسة: الأولاد الذين يعرفون كيف يضبطون أنفسهم ينجحون في التركيز أفضل خلال الدراسة ومواجهة الإحباط عندما تكون المادة الدراسيَّة صعبة.
- المهارات الاجتماعيَّة :الضبط الذاتيّ العاطفيّ يساعد الأولاد على اللعب مع الآخرين والتعاون معهم، الانتظار وفق الدور، وإبداء ردة فعل أقل هجوميّة عند حدوث الخلافات.
- الرفاهيَّة النفسيَّة: الأولاد الذين يتعلمون كيف يديرون مشاعرهم، يتعرّضون أقل للقلق والاكتئاب، ويطوّرون ثقة ذاتيَّة أعلى.
كيف تساعدون الأولاد على تطوير الضبط الذاتيّ العاطفيّ؟
يمكنكم مساعدة أولادكم على تطوير الضبط الذاتيّ العاطفيّ عبر طرق كثيرة:
أعطوا اسمًا لمشاعر أولادكم
ساعدوهم على اكتشاف مشاعرهم، وعند منح الشعور اسمًا، يصبح هذا الشعور أقل تهديدًا وينجح الطفل بالبدء بإدراته. اذكروا أقوالاً مثل: “أشعر أنك محبط لأن البرج الذي بنيته قد سقط”.
اكتشفوا العلاقة بين الشعور والسلوك
علّموا الأولاد أن كل المشاعر هي مشاعر شرعيّة ومسموحة، ولكن ليس كل سلوك مقبول (يجوز لنا أن نغضب، ولكن لا يجوز لنا أن نضرب الآخرين).
التعرّف على مشاعر الآخرين
تطوير التعاطف يساعد الأولاد على فهم الديناميكيات الاجتماعيَّة وإدارة ردود فعلهم وفقًا لها.
اكتشفوا العلامات الجسمانيَّة
علّموا الأولاد كيف يشعر الجسم عندما ينتابه شعور معيّ، وقبل أن يغضب. مثلا: نبض سريع، انقباض اليدين، أو الشعور بعدم الارتياح في البطن. الاكتشاف المبكّر يساعد على استعمال استراتيجيَّات التهدئة قبل أن يصل الغضب إلى ذروته.
أعِدّوا صندوق أدوات للتهدئة
مارسوا مع أولادكم نشاطًا يساعدهم على التهدئة. يمكن استعمال التنفّس العميق، العدّ حتى العشرة، الركض القصير، الاحتضان القويّ أو الاستماع إلى الموسيقى. من المهم التدرّب على هذه الأدوات بينما يكون الولد هادئًا، لكي يستعملها في الوقت الحقيقيّ.
بناء حصانة طويلة الأمد
إضافةً إلى التهدئة خلال الأزمة، من المهمّ أن نقدّم للطفل أدوات للضبط الذاتيّ العاطفيّ لمنع نوبة الغضب التالية:
كونوا قدوة يُحتذى بها
يتعلم الأولاد كيف ينجحون في الضبط الذاتيّ العاطفيّ من خلال تأمل الوالدين. فعندما تديرون الغضب أو الضغط اللذين تشعرون بهما بشكل هادئ وتتحدثون عن ذلك وتقولون مثلا: “أشعر بالضغط الآن، سوف أتنفّس عميقًا قبل أن أواصل العمل”، هكذا يتعلم أولادكم كيف يقومون بذلك بأنفسهم.
أنشِئوا روتينًا وتوقعات واضحة
جدول الأعمال اليوميّ الثابت يساعد الأولاد على الشعور بالأمان، ويقلل القلق الذي قد يؤدي إلى ثورة الغضب.
امنحوا الأولاد تعزيزًا إيجابيًّا
عززوا أولادكم عندما ينجحون في استعمال الأدوات التي تعلموها. يمكن أن تقولوا لهم: “لقد لاحظت أنك كنت غاضبًا ولكنك اخترت أن تأخذ نفسًا عميقًا بدلاً من الصراخ، كل الاحترام وأنا فخور بك”.
تحدثوا عن الحالة بعد حدوثها
بعد مرور نوبة الغضب، اجلسوا مع الطفل وفكّروا معًا: “ماذا حدث؟”، “كيف شعرت؟”. ما الذي يمكن أن تغيّره في المرة القادمة؟
أدوات عمليَّة للضبط الذاتيّ العاطفيّ والتهدئة
عندما يكون الأولاد في ذروة الهيجان العاطفيّ لا يكون دماغهم متفرغًا للتعلّم أو فهم المنطق. الهدف في هذه المرحلة هو التهدئة فقط. هكذا يمكن أن تساعدوا أولادكم:
- خلق منطقة آمنة: شجعوا أولادكم على الذهاب إلى مكان هادئ حيث يشعرون فيه بالحماية حتى يهدأون.
- تقينات التنفّس: التنفّس العميق (مثل التنفّس وكأننا نشم رائحة وردة، والزفير وكأننا نطفئ شمعة) يساعد على خفض مستوى الانفعال الجسديّ.
- النشاط الجسمانيّ: نشاطات مثل الركض القصير، القفز في المكان أو ممارسة أي نشاط جسديّ آخر تساعد على التخلّص من التوتر الجسديّ.
- استعمال الحواس: الملامسة الخفيفة، الاستماع إلى الموسيقى الهادئة أو التأمل تساعد على صرف النظر عن مصدر الانفعال والانتقال إلى حالة الهدوء.
أدوات للمراهقين
- التخطيط المسبق: ساعدوا المراهقين على التفكير مسبقًا في حالات مثيرة للتحديّ (مثل الضغط الاجتماعيّ) والتخطيط مسبقًا لردة فعلهم.
- تأجيل ردة الفعل: شجعوا الأولاد على “التفكير في الأمور” قبل أن يرسلوا رسالة نصيَّة غاضبة أو يتخذون قرارًا هجوميًّا.
- التحدّث عن حل المشاكل: بدلاً من الانشغال بحل المشكلة، يمكن أن تسألوا ابنكم: “ما الذي يساعدك على أن تشعر أكثر هدوءًا الآن؟”.
علامات تشير إلى صعوبات في الضبط الذاتيّ العاطفيّ
الأولاد الذين يواجهون صعوبة في الضبط الذاتيّ العاطفيّ نلاحظ أن ردود فعلهم تجاه حالة ما مبالغ بها. إليكم بعض العلامات الشائعة:
- نوبات غضب متكررة أو متطرّفة
- صعوبة كبيرة في الانتقال بين النشاطات (مثلاً إيقاف تشغيل الشاشة)
- تصرف هجوميّ قد يشكّل خطرًا على الولد أو بيئته
- صعوبة في التهدئة بعد وقت طويل من انتهاء الحادثة المسببة للغضب
- الميل للتنازل بسرعة كبيرة عند مواجهة الصعوبات.
متى يجب التوجّه للحصول على مساعدة مهنيَّة؟
مواجهة الصعوبات في الضبط الذاتيّ العاطفيّ ونوبات الغضب هي جزء طبيعيّ من تطوّر الأولاد. رغم ذلك، هناك حالات يتطلب فيها مستوى الصعوبة، وتيرتها أو تأثيرها على الحياة اليوميَّة الحاجة إلى طلب الاستشارة من المهنيّين.
من المهمّ جدًّا التفكير في طلب المساعدة في الحالات التالية:
عند وجود خوف من تعرّض الولد لنقص الأمان
- عندما يشكّل تصرف الولد خطرًا عليه أو على الآخرين، مثلا العض، الرفش، الضرر الذاتيّ أو تدمير الأغراض.
- عندما تكون ردة فعل الولد هجوميّة وكأنها تصرفًا خارجًا عن السيطرة.
عندما تؤثر الصعوبة في الحياة العائليَّة
- عندما يصعّب تصرف الولد على العائلة على القيام بالمهام اليوميَّة البسيطة، مثل المشتريات، زيارة الأصدقاء أو حتى تناول وجبة مشتركة.
- عندما تشعرون أنتم أيها الوالدون بأنكم منفعلون، لا حول ولا قوة لكم، أو تشعرون بالتوتر المستمر الذي يؤثر في علاقتكم مع ابنكم أو في جودة حياة العائلة.
عند وجود ضرر في الأداء الاجتماعيّ أو التعليميّ
- عندما يصعب على الولد التواصل مع الأصدقاء بسبب ردود فعلهم الحساسّة.
- عندما يبلّغ طاقم الروضة أو المدرسة، مرارًا وتكرارًا، عن سلوك ابنكم المزعج أثناء التعلم أو الروتين الصفيّ.
عندما تكون نوبات الغضب قويةً أو متواصلةً بشكل خاصّ
- عندما تكون نوبات الغضب مستمرة وقتًا أطول من المعتاد، مثلًا أكثر من نصف ساعة بشكل ثابت.
- عندما يصعب جدًّا على الطفل أن يهدأ، حتى عندما تحاولون مساعدته.
- عندما يبدو أن الولد قد تعرّض لضائقة عاطفيَّة عميقة، حزن متواصل أو قلق لا يزول.
عندما تتجاوز الصعوبة الجيل الذي تكون فيه الصعوبات شائعة
نوبات الغضب هي نوبات شائعة في سنّ الطفولة، ولكن إذا اجتاز الولد السنّ التي تُعتبر فيها النوبات نوبات نموذجيَّة (في سن 4-5 سنوات) وما زال يصعب عليه كثيرًا ضبط نفسه، فقد تكون هناك حاجة إلى استشارة مهنيّ.
إلى مَن يمكن التوجّه وكيف يمكن تلقي المساعدة؟
بشكلٍ عامّ، الخطوة الأولى هي التوجّه إلى طبيب الأطفال أو طبيب العائلة. فهما قادران على معرفة إذا كانت هناك عوامل طبيَّة وتوجيهكم إلى المهنيّين الملائمين، مثل اختصاصيّ نفسيّ للأطفال، مُعالجة وظيفيَّة خبيرة بالضبط الذاتيّ العاطفيّ أو العلاج العاطفيّ.
يمكن للمساعدة المهنيَّة أن تساعد بعدة طرق:
- تشخيص الصعوبة وفهمها: استيضاح فيما إذا كان الحديث يجري عن تأخّر في التطوّر، صعوبة في الضبط الذاتيّ العاطفيّ أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) أو عامل عاطفيّ آخر.
- أدوات عمليَّة للمواجهة: بناء برنامج ملائم للولد والعائلة للمساعدة على مواجهة الحالات المثيرة للتحديّ.
- إرشاد الوالدين: تقديم أدوات واستراتيجيَّات تساعدكم على الرد والتعامل مع الحالات الصعبة بشكلٍ هادئٍ وناجعٍ أكثر.

- בניית אתרים