قد تؤثر الشاشات في الإصغاء والتطوّر لدى الأولاد والبنات. ولكن كلما كان الوالدون حاضرين أكثر في حياة أولادهم، وتحلى الأولاد بالضبط الذاتيّ العاطفيّ يقل هذا التأثير.
في السنوات الأخيرة باتت الشاشات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا جميعًا بما في ذلك الوالدون والأولاد. وهي متوفّرة، مُهدئة، وتساعد الوالدين أحيانًا على الهدوء. ولكن إلى جانب الراحة، هناك أبحاث كثيرة تشير إلى أن الشاشات تؤثر تأثيرًا فعليًّا في إصغاء الأولاد، مزاجهم، وتطوّرهم. ولكن الأخبار السّارة هي أن هذا التأثير يعتمد على كمية استعمالها، المحتويات، والحالات التي تُستعمل فيها الشاشات، ويمكن للوالدين تقييد استعمالها.
تأثير الشاشات على الأولاد والبنات
تجدر الإشارة إلى أن الشاشات وحدها لا تسبب القلق أو المشاكل في السلوكيات. ولكنها قد تؤثر بشكل خاصّ عندما:
- تستبدل التفاعل البشريّ
- تُستعمل كوسيلة ثابتة للتهدئة
- تُلحق ضررًا في النوم
- استعمالها بوتيرة عالية وغير ملائمة لأعمار الأولاد.
ولكن كلما كان الوالدون حاضرين أكثر في حياة أولادهم، وتحلى الأولاد بالضبط الذاتيّ العاطفيّ يقل هذا التأثير.
الشاشات والإصغاء والتركيز لدى الأولاد والبنات
المضامين التي يشاهدها الأولاد عبر الشاشات تشكل محفّزًا سريعًا جدًّا. فمقاطع الفيديو القصيرة، الألوان الساطعة، والانتقال الحاد بين المضامين تجعل الدماغ يعتاد على تلقي “جائزة” (هرمون الدوبامين) خلال ثوان قصيرة. لهذا عندما يعتاد الدماغ على وتيرة الشاشات السريعة، فإن النشاطات “البطئية” مثل التعلم والإصغاء إلى قصة، اللعب المشترك أو التعلم تعتبر أقل إثارة للاهتمام.
تشير الأبحاث إلى أن التعرّض المتواصل للشاشات، لا سيَّما في سنّ الطفولة، قد يلحق ضررًا بالقدرة على الإصغاء، وتبيّن أيضًا أن هناك علاقة بين استعمال الشاشات بوتيرة عالية وبين انخفاض الأداء الذهنيّ والصعوبة في التركيز.
تأثير الشاشات على تطوّر اللغة والتواصل
فيما يتعلق بالتعلم والشاشات، من المهمّ جدًّا دحض الآراء المقوّلبة: فالأولاد يتعلمون عبر التواصل البشريّ، وليس عبر الشاشات، حتى إذا كانت مقاطع الفيديو عبر الشاشات “تعليميّة”.
تشير الأبحاث إلى أن التعرّض المفرط لاستعمال الشاشات مرتبط بالتأخر في تطوّر اللغة. فعندما يشاهد الأولاد الشاشات، يخسرون فرصة التواصل البشريّ.
بالإضافة إلى ذلك، عندما يستعملون الشاشات من دون مرافقة أحد الوالدين، فهم يبتعدون عن إمكانية التواصل اللغويّ. وهكذا يتعرّضون أقل للغة عبر المحادثة، وقد يكون تطوّر اللغة لديهم أكثر بطئًا.
ولكن لا تكمن المشكلة في استعمال الشاشات من قبل الأولاد فحسب، بل من قبل الوالدين أيضًا. فعندما يستعمل الوالدون الهواتف الذكيَّة بينما يكون الأولاد على مقربة منهم يقللون إمكانية التواصل اللفظيّ معهم بنسبة %25. عند انقطاع التواصل لفحص معلومة ما في الهاتف، يخسر الأولاد فرصًا مهمّة لتعلم الكلمات واللغة، ما قد يؤدي إلى تقليص ثروتهم اللغويَّة وصعوبة في التواصل.
القصد هو أن الشاشات لا تشكل مصدر تعليم للأولاد فحسب، بل إنها تستبدل أحيانًا فرصًا حقيقًّة للتعلم.
تأثير الشاشات على النوم
تؤثر الشاشات في جودة النوم لدى الأولاد وعدد ساعات النوم بطرق مختلفة:
- تشويش هرمون الميلاتونين: يفرز دماغ الإنسان هرمون الميلاتونين (هرمون النوم) في ساعات الظلام. أما الضوء الأزرق الذي تطلقه الشاشات فهو “يخدع” الدماغ ويجعله يعتقد أن ساعات النهار ما زالت مستمرة. لذلك، يتم تأجيل إفراز هرمون الميلاتونين أو إيقافه، وهكذا يصعب على الإنسان النوم وتتضرر جودة نومه.
- اليقظة الذهنية والحسيَّة: مشاهدة المحتويات حتى إذا كانت تبدو أنها محتويات مهدئة، تجعل الدماغ في حالة من “التأهب”. فيواصل تحليل المعلومات المرئيَّة، وهكذا لا يمكنه الانتقال إلى مرحلة الهدوء الضروريَّة قبل النوم.
- الإضرار بوتيرة النوم: يميل الأولاد الذين يستعملون الشاشات قريبًا من وقت النوم إلى الاستيقاظ أكثر خلال الليل. لهذا فالنوم غير المتتالي قد يلحق ضررًا في عمليات النوم وتحليل الذاكرة التي تحدث في الليل.
تأثير الشاشات على المزاج والضبط الذاتيّ العاطفيّ
الضبط الذاتيّ العاطفيّ هو قدرة الأولاد على اكتشاف المشاعر (مثل الغضب، الإحباط أو الملل)، وإدارتها بشكل متزن. تؤثر الشاشات في هذه القدرة من عدة جوانب:
- الشاشات كعامل ضبط خارجيّ: تُستعمل الشاشات أحيانًا لإلهاء الأولاد في حالات البكاء أو الإحباط. وهكذا يصعب عليهم تطوير القدرة على مواجهة مشاعرهم السلبيِّة.
- سقف مرتفع من التحفيز: الانتقال السريع والمكافآت الفوريَّة عند استعمال الشاشات تجعل الدماغ يعتاد على مستويات مرتفعة جدًّا من الدوبامين. لهذا عند إيقاف تشغيل الشاشات، يصبح الواقع مملا أو مصدر إحباط. وهكذا يعاني الأولاد أحيانًا من نوبات البكاء والغضب التي تحدث عند إبعادهم عن الشاشات.
- صعوبة في تأجيل الإرضاء: التفاعل عبر الشاشات، مثل الضغط على زر محدّد للحصول على ردة فعل أو مقطع فيديو يتغيّر بسرعة، يجعل الأولاد يعتادون على حدوث نتائج فوريَّة. في الحياة العاديَّة يتعيّن على الأولاد أن ينتظروا حتى يحين موعد دورهم، أن يبنوا مجدّدًا برجًا كان قد سقط أو ينتظروا حتى يتفرغ أحد الوالدين ليكون معهم، ولكن عندما يعتاد الأولاد على عالم يحدث فيه كل شيء فورًا، فإن قدرتهم على التحلي بالصبر تتضرر، وتتضرر أيضًا قدرتهم على مواجهة الحالات التي لا تتم فيها تلبية احتياجاتهم فورًا.
- تقليل التفاعل الاجتماعيّ: يُكتسب الضبط الذاتيّ العاطفيّ عبر اللعب الحر والتفاعل الاجتماعيّ. في هذه النشاطات يتعلم الأولاد كيف يتفاعلون مع الآخرين، كيف يديرون مفاوضات حول لعبة ما يرغبونها، كيف يتنازلون عند الحاجة، أو كيف يواجهون الإحباط عندما يخسرون خلال اللعب. أما عندما تأتي الشاشات بدلا من اللعب الاجتماعيّ، يخسر الأولاد الفرص التعليميَّة لاكتساب المهارات الاجتماعيَّة وتطوير الحصانة العاطفيَّة.
كيف نحافظ على التوازن السليم عند استعمال الشاشات؟
أصبحت الشاشات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، والهدف هو عدم إلغائها كليًّا، بل إدارة استعمالها بشكل متوازن:
- تجنّبوا استعمال الشاشات حتى سنّ عاميْن: يوصى بتجنّب استعمال الشاشات حتى سنّ عاميْن، فقبل هذه السنّ، يتطوّر الدماغ تحديدًا عبر التفاعل البشريّ والتجربة الحسيَّة، لهذا لا توفّر الشاشات الظروف الضروريَّة للتعلّم والتطوّر.
- كونوا قدوة يُحتذى بها: الأولاد والبنات يتعلمون من خلال مشاهدة الوالدين. لهذا حدّدوا أوقاتًا تكون فيها كل الهواتف موضوعة جانبًا، لا سيَّما أثناء تناول الوجبات واللعب المشترك.
- اختاروا مضامين ذات جودة: يُستحسن اختيار محتويات بطيئة بدلا من اختيار مقاطع فيديو سريعة وصاخبة.
- شجعوا المشاهدة المشتركة: من الأفضل أن يشاهد الأولاد البرامج مع الوالدين. تحدّثوا مع أولادكم حول استعمال الشاشات، اسألوهم أسئلة، وكونوا شركاءهم في تجاربهم.

- בניית אתרים