تأثير الحرب على الصحّة النفسيَّة لدى الأولاد والبنات

: تؤثر الحرب لا سيَّما الحرب المتواصلة في الصحّة النفسيَّة لدى الأولاد والبنات. يمكن للمقرّبين لا سيّما الوالدون أن يصنعوا فارقًا حقيقيًّا في طريقة مواجهة الولد أو البنت للحالة.

الأولاد والبنات يواجهون حالات الطوارئ بشكل مختلف عن البالغين. إذ إن قدرتهم على فهم الواقع محدودة أكثر، وهم يعتمدون على تفسيرهم للواقع، خيالهم، وتصرّفات الأشخاص من حولهم. لذلك، فإن التعرّض للحرب لا يشكّل حالة خارجيَّة بالنسبة لهم فحسب، بل تجربة شخصيَّة تؤثر في شعورهم بالأمان وصحتهم النفسيَّة – ليس في وقت وقوع الحادثة فحسب، بل بعد تجاوزها بوقت طويل أيضًا.

كيف يمكن أن تساعدوا أولادكم، ومتى يجب التوجّه للحصول على مساعدة مهنيَّة؟

تأثيرات الحرب النفسيَّة على الأولاد والبنات

التعرّض المتواصل للحرب يزيد خطر حدوث صعوبات عاطفيَّة لدى الأولاد والبنات. فيما يلي الأعراض الأكثر شيوعًا لدى الأولاد والبنات الذين تعرّضوا للحرب:

  • قلق ومخاوف
  • صعوبات في النوم
  • هبوط في التركيز
  • تغييرات في السلوك
  • صعوبة في الضبط الذاتيّ العاطفيّ
  • ردود فعل عاطفيَّة قويَّة
  • صعوبة في الهدوء
  • ازدياد الشعور بالحاجة إلى السيطرة أو تجنّب السيطرة
  • تأخر تطوّري لدى الأولاد الصغار (مثل صعوبة في الابتعاد عن الأهل، التبوّل الليليّ أو التواجد المتزايد بالقرب من الأهل).
  • في حال حدوث حرب متواصلة، قد تشاهدون علامات تشير إلى ضائقة عاطفيَّة أكبر لدى الأولاد مثل الانغلاق، التغييرات في الشهية أو نوبات الغضب. كلما كان التعرّض للحادثة مكثّفًا أكثر (سواء كان تعرّضًا مباشرًا أو عبر الشاشات) يزداد خطر تأثيره العاطفيّ على الأمد الطويل.

وكذلك كلما كان التعرّض أطول مثلاً بسبب صفارات الإنذار المتكررة، الإجلاء من المنزل أو التعرّض لمحتويات صعبة يكون الخطر أكبر.

من المهمّ التذكّر أن القلق، الخوف، والصعوبات في النوم في فترة الحرب وبعدها هي ردود فعل طبيعيَّة.

وذلك لأن الجسم يمر في حالة من التوتر المستمر. فخلافًا للحالات التي تحدث لمرة واحدة، يواجه الأولاد والبنات حالة من التهديد خلال الحرب. وذلك لأن الجسم والجهاز العاطفيّ يظلان متقيظيْن وهكذا يصعّبان على الأولاد والبنات أن يحققوا التوازن.

من المهمّ التذكّر أن هذه الحالة لن تستمر إلى الأبد حيث إن هذه الأعراض تنخفض كلما ازداد الشعور بالأمان وبعد العودة إلى روتين الحياة الاعتياديّ.

تشير الأبحاث التي أجريت في إسرائيل منذ حرب “السيوف الحديديَّة” إلى أن الأولاد والبنات الذين يواجهون مستوى ما من الضائقة العاطفيَّة بسبب الوضع الأمني تظهر لدى الكثير منهم أعراض القلق وتغييرات في السلوكيَّات.

تأثير التعرّض لوسائل الإعلام خلال الحرب

يشكل التعرّض لمقاطع الفيديو والصور الصعبة حول الحرب عاملا مهمًّا في زيادة القلق لدى الأولاد والبنات. فالأولاد والبنات الذين لم يواجهوا الحرب بشكل مباشر، قد يشعرون بضائقة صعبة أيضًا بسبب مشاهدة الشاشات فقط. وعندما يشاهدون مقاطع فيديو وصور دون مراقبة الوالدين، تصعّب هذه المشاهد المخروطة في ذاكرتهم على جهازهم العصبيّ البدءَ بالهدوء وتلحق ضررًا بشعورهم بالأمان.

الحصانة النفسيَّة لدى الوالدين تشكل مصدر أمان للأولاد والبنات

هناك علاقة قويَّة بين الحالة العاطفيَّة لدى الوالدين والحالة النفسيَّة لدى الأولاد والبنات، وتشكل الحرب عبئًا عاطفيًّا مزدوجًا على الوالدين: فهناك حاجة إلى مواجهة الضائقة الشخصيَّة، وفي الوقت ذاته على الوالدين أن يدعموا أولادهم وبناتهم. فكلما تعرّض الوالدون لضائقة أكبر، يزداد الاحتمال لأن يعبّر أولادهم وبناتهم عن صعوبات شبيهة. فالأولاد يستوعبون أمورًا أكثر من تلك التي تُذكر بالكلمات، وهم يشعرون بالتوتر، عدم الهدوء، وعدم اليقين.

ولكن عندما ينجح الوالدون في ضبط مشاعرهم والحفاظ على الهدوء النسبيّ، يشعر أولادهم أفضل ويزداد شعورهم بالأمان والحماية.

كيف يمكن مساعدة الأولاد والبنات؟

  • الوساطة الملائمة: تحدّثوا مع الأولاد والبنات عن الحالة بلغة بسيطة، صريحة، وملائمة لأعمارهم. لا تخفوا عنهم الواقع، ولكن في الوقت ذاته تجنّبوا من تزويدهم بمعلومات كثيرة مثيرة للقلق أو لا داعي لها.
  • تقليل التعرّض لوسائل الإعلام: حافظوا على أولادكم وبناتكم من التعرّض للأخبار ومقاطع الفيديو غير الملائمة لأعمارهم.
  • منح الشرعيَّة للمشاعر: شجعوا الأولاد والبنات على التعبير عن مشاعر الخوف، الغضب أو الحزن التي يشعرون بها، وأعطوا شرعيَّة لهذه المشاعر. فأقوال مثل “هذه الحالة ليست سهلة، ولكن معًا سوف نحميك”، تمنح صلاحيَّة للمشاعر وتخلق شعورًا بالأمان.
  • خلق روتين الحياة المنتظم – يساعد الروتين الجزئي أيضًا على عيش حياة منتظمة في الفترة التي يسود فيها عدم اليقين أيضًا. لهذا حافظوا على اتباع روتين حياة مثل أوقات تناول الوجبات، النوم أو النشاطات المشتركة. فهذه الخطوة تعيد الشعور بالنظام والاستقرار.
  • تشجيع العلاقات الاجتماعيَّة – حافظوا على علاقة مع الأصدقاء أو الأطر التي ينتمي إليها أولادكم قدر المستطاع، لأن هذه الخطوة تقلل الشعور بالوحدة وتشجّع الأولاد والبنات.
  • تجنّبوا حالات الامتناع – إذا امتنع الولد أو البنت من الخروج من المنزل، أو إذا أرادا البقاء وحدهما في المنزل أو رفضا العودة إلى روتين الحياة الاعتياديّ، فلا تمارسوا الضغط عليهما، وفي الوقت ذاته لا تشجعوهما على حالات التجنّب التي يعيشانها. من المهمّ أن تشجعوا الأولاد والبنات على العودة التدريجيَّة إلى الحياة وفق الوتيرة الملائمة لهم، وأن تقدّموا لهم الدعم والمرافقة.
  • اكتشاف الضوء الأحمر: في حال لم تمر علامات الضائقة (مثل إلحاق الضرر بالأداء اليوميّ أو البقاء المتواصل في المنزل) أو إذا تفاقمت، من المهمّ التوجّه وتلقي استشارة مهنيَّة.

كيف تواجهون حالات التراجع والحاجة المتزايدة لدى الأولاد والبنات لأن يكونوا قريبين منكم؟

في حال طلب الأولاد والبنات النوم معكم، وأعربوا عن خوفهم للبقاء وحدهم أو إذا كانوا قريبين منكم جدًّا، من المهم أن تعرفوا أن هذه هي ردة فعل طبيعيَّة للبقاء على الحياة: ففي العالم الذي يسود فيه عدم الأمان، يبحث الأولاد والبنات عن المكان الوحيد الذي يشعرون فيه بالأمان وهو قربهم الجسديّ منكم.

ما هو الشيءُ الصحيح الذي يجب القيام به؟

  • امنحوا الشرعيَّة للحاجة التي يعرب عنها الأولاد والبنات: في حالات الحرب من المهمّ توفير الاستجابة لاحتياجات الأولاد وعدم محاربتها. فالقرب الجسديّ، الوقت المشترك، ووجود الوالدين تساعد الأولاد والبنات على التهدئة والشعور بالحماية.
  • أبدوا مرونة خلال الروتين الاعتياديّ: إذا طلب ابنكم أو ابنتكم النوم معكم، فاعرضوا عليهما حلولا مناسبة مثل وضع فرشة لهما بالقرب من سريركم أو أن تبقوا معهما في غرفتهما حتى ينامان. من المهمّ التذكّر أن هذه الحلول الملائمة لا تعتبر تنازلاً، بل أنها تلبي احتياجات أولادكم للشعور بالأمان، لهذا لا تخافوا من أن تظل هذه الحالة إلى الأبد: فكلما انخفض التوتر، يكون من الأسهل على أولادكم العودة إلى العادات اليوميَّة السابقة.
  • حافظوا على الحدود – في فترة عدم اليقين تحديدًا فإن الحدود تمنح الأولاد الشعور بالاستقرار والأمان، وتساعدهم على معرفة ماذا يمكن توقّعه، والعودة تدريجيًّا إلى الشعور بالسيطرة والأمان. يمكن أن تبدوا مرونة أكثر وتلائموا أنفسكم للحالة الأمنيَّة، وما زال من المهمّ أن تحافظوا على إطار واضح ومستمر.
  • اهتموا بالاستعداد المسبق: إذا كنتم تحتاجون إلى الخروج من المنزل، فأوضحوا لأولادكم تمامًا إلى أين ستذهبون، ومتى ستعودون. الوضوح يساعد على تقليل القلق من إبقاء الأولاد وحدهم، حيث يظهر خلال حالات الطوارئ.
  • اشحنوا طاقتكم: وجود الأولاد بالقرب منكم قد يكون مرهقًا جدًّا لكم، لا سيَّما عندما تشعرون بالتوتر. لهذا حاولوا، قدر المستطاع، البحث عن لحظات صغيرة للهدوء والارتياح لكي تواصلوا دعم أولادكم.

متى يجب التوجّه للحصول على مساعدة مهنيَّة؟

إن بناء الحصانة النفسيَّة هو مرحلة طبيعيَّة، وينجح الأولاد والبنات غالبًا في استيعاب التجارب التي يمرون بها بناء على الدعم الذي يحصلون عليه في المنزل. رغم هذا، يُستحسن التوجّه لتلقي استشارة عندم تظهر علامة أو أكثر من العلامات التالية:

  • حدوث تغيير متواصل في الأداء: صعوبة في العودة إلى روتين الحياة الاعتياديّ لمدة تزيد عن عدة أسابيع، ويصعب على الأولاد الذهاب إلى الأطر التي كانوا ينتمون إليها أو اللعب أو تناول الطعام.
  • تأخر كبير في التطوّر: يبوّل الأولاد في ملابسهم، يتأتئون، أو يواجهون صعوبة متطرّفة في الابتعاد عن الأهل، ولا يطرأ تحسّن لديهم مع مرور الوقت.
  • صعوبة كبيرة في النوم: يشعر الأولاد بكوابيس متكررة، يخافون من النوم وحدهم أو يستيقظون كثيرًا خلال النوم.
  • العزلة الاجتماعيَّة: عدم اهتمام الأولاد بالالتقاء مع الأصدقاء أو القيام بنشاطات كانوا يحبونها سابقًا.
  • الانشغال القهريّ بالحرب: يطرح الأولاد أسئلة متكررة عن الموت، الضرر أو الدمار، ولا يهدأون حتى بعد تقديم الشرح.
  • الشعور بالقلق: قلق كبير أو قلق معتدل يشكلان انزعاجًا في الأداء اليوميّ.
  • الامتناع عن القيام بالنشاطات: مثلا يرفض الأولاد الخروج من المنزل أو العودة إلى الإطار الخاصّ بهم.
  • تغييرات عاطفيَّة متطرّفة: نوبات غضب استثنائيَّة، تغيير متطرّف في السلوك أو بدلا من ذلك لا مبالاة تجاه البيئة.
  • انخفاض الأداء في الإطار التعليميّ: تراجع في تحصيلات الأولاد الدراسيّة.

إلى مَن يمكن التوجّه وطلب المساعدة؟

  • طبيب الأطفال: هو العنوان الأول. فهو يعرف الولد والعائلة وفي وسعه أن يقيّم الحالة ويوجّه الأهل لتلقي علاج في مجال الصحّة النفسيَّة عند الحاجة.
  • مراكز الحصانة النفسيَّة: تمنح مراكز الحصانة النفسيَّة علاجًا ومساعدة نفسيَّة للمواطنين في ظل الوضع الأمنيّ. يمكنكم العثور على المركز القريب من مكان سكناكم في موقع الائتلاف الإسرائيلي للصدمة.
  • “عيران” (مساعدة نفسيَّة أوليَّة): يمكن التوجّه إلى المركز عبر هاتف 1201 أو الدردشة في الموقع وإجراء مكالمة مع المتطوّعين والمتطوّعات وتلقي دعم أوليّ وفوريّ.
  • الخدمة النفسيَّة التربويَّة: يمكن التوجّه إلى الاختصاصيّ النفسيّ الخاصّ بالروضة أو المدرسة وتلقي استشارة في الإطار التربويّ.